ركلة الموت.. عنوان الإثارة في كرة القدم
ركلة الموت.. عنوان الإثارة في كرة القدم

تصل الإثارة في كرة القدم إلى ذروتها عندما يطلق الحكم صافرة يعلن فيها نهاية الشوطين الأصليين والإضافيين بالتعادل، في مباريات خروج المغلوب، فهناك يتم تحديد هوية الطرف الفائز بركلات الترجيح، التي عُرفت على مدار التاريخ بضربات الحظ أو ركلات الموت؛ كونها تضع حراس المرمى واللاعبين والمشجعين تحت أعلى درجات الضغط. وعرفت هذه الركلة محطات كثيرة بعدما خرجت من مهدها عام 1890، فهي كانت شاهدة على تغييرات وتطورات أوصلتها إلى ما هي عليه في يومنا هذا. وتكشف "الرياضية" في هذا التقرير عن أبرز خبايا ركلة الجزاء، منذ أن رسمت معالمها الأولى في إيرلندا، ووصولاً إلى فكرة ركلات الترجيح التي بصرت النور عام 1970، والتي كتبت أسلوبًا جديدًا في فض النزاع بين طرفيْن متعادليْن، بعد أعوام لجأت في هذه الرياضة إلى إعادة المباريات، أو حتى إلى القرعة، لتحديد هوية الفريق المنتصر.

ابتكار إيرلندي
طرح الراحل ويليام ماكروم رجل الأعمال الإيرلندي وحارس المرمى، فكرة ركلة الجزاء للمرة الأولى عام 1890م، عندما كان في الوقت نفسه عضوًا في الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم، حيث توصّل إلى هذه الفكرة في فترة اعتاد فيها المدافعون على عرقلة المهاجمين بشكل متعمد داخل منطقة الجزاء؛ لمنعهم من تسجيل الأهداف. ونقل جاك ريد السكرتير العام للاتحاد الإيرلندي فكرة ماكروم إلى اجتماع لمجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم IFAB في شهر يونيو من هذا العام، وقد جاء في خطاب ريد حينها: "إذا أقدم أي لاعب على تعمد عرقلة لاعب خصم في حدود 12 ياردة عن المرمى، على الحكم أن يمنح الفريق الخصم ركلة جزاء يتم تنفيذها من أي نقطة تبعد 12 ياردة عن خط المرمى، بحيث يقف جميع اللاعبين على بعد 6 ياردات على الأقل خلف الكرة باستثناء منفذ الركلة وحارس المرمى". وقوبل هذا الاقتراح بالسخرية والاستياء من طرف اللاعبين والمشجعين الذين وصفوا ركلة الجزاء بركلة الموت، إلى أن تبدّل الرأي العام في 14 فبراير عام 1891م، عندما عمد أحد اللاعبين على التصدي لتسديدة بيده لمنعها من الشباك في مباراة بين ستوك سيتي ونوتس كاونتي في كأس الاتحاد الإنجليزي، حيث تم احتساب ركلة حرة لم تسفر عن تسجيل هدف.

أعوام التطور
تمت إضافة نقطة الجزاء إلى أبعاد الملعب للمرة الأولى عام 1902م، بعدما نصّت قوانين ركلة الجزاء قبل ذلك على إمكانية تنفيذ الركلة من أي مكان يبعد 12 ياردة عن المرمى. واستمرت الجهات المعنية في تحسين البنود الخاصة بقانون ركلة الجزاء في الأعوام التالية، وقد لعب ويلي فولك حارس المرمى الإنجليزي دورًا غير مباشر في تحسينها، حيث اشتهر الحارس الذي تألق مع شيفيلد يونايتد وتشيلسي مطلع الألفية الماضية بتقدمه نحو اللاعب الخصم لتوبيخه وبث الرعب فيه قبل تنفيذ أي ركلة جزاء، الأمر الذي ساعده على التصدي لعدد كبير من الكرات، علمًا أنه عُرف ببنيته الضخمة مع وصول وزنه إلى قرابة الـ 150 كيلوجرامًا. هذا النهج الذي اتبعه فولك أدّى لإضافة فقرات جديدة إلى قانون ركلة الجزاء، حيث مُنع حراس المرمى بعد ذلك من التقدم ومغادرة خط المرمى أثناء تنفيذ ركلة جزائية.

إلى ركلات الحظ
شهدت الأعوام الأولى من فترة السبعينيات دخول كرة القدم إلى مرحلة جديدة فيما يخص كسر التعادل في المباريات الإقصائية، حيث تم اعتماد قانون ركلات الجزاء الترجيحية بعد أعوام اتبعت فيها قوانين أخرى مثل إعادة المباريات في حالة التعادل أو اللجوء إلى القرعة لتحديد هوية الفائز، وهذا ما حدث مع المنتخب الإيطالي في طريقه نحو الفوز بلقب كأس الأمم الأوروبية عام 1968م، عندما فاز على الاتحاد السوفياتي بالقرعة في نصف النهائي بعد انتهاء مواجهتهما بالتعادل السلبي، قبل أن يتعادل في المباراة النهائية مع يوغوسلافيا بنتيجة 1ـ1، ليحقق الأتزوري الفوز في مباراة الإعادة بهدفين نظيفين بعد يومين. وقام كوي تيك عضو الاتحاد الماليزي في لجنة التحكيم بالتحركات الأولى لاعتماد ركلات الجزاء الترجيحية أمام الاتحاد الدولي، الذي درس هذا الاقتراح الجديد في 20 فبراير عام 1970، في الوقت الذي ذكرت فيه وكالة الأنباء الألمانية عام 2006 أن الراحل كارل فالد الحكم الألماني كان أول من اقترح فكرة ركلات الترجيح عندما نقلها إلى الاتحاد البافاري لكرة القدم عام 1970. وتشير مصادر أخرى إلى أن الإسرائيلي يوسف داجان كان أول من جاء بهذه الفكرة بعد خسارة المنتخب الإسرائيلي أمام المكسيك بالقرعة في الدور ربع النهائي لمسابقة كرة القدم في دورة الألعاب الأولمبية عام 1968، حيث قام مايكل ألموج رئيس الاتحاد الإسرائيلي حينها بنقل رسالة داجان إلى الاتحاد الدولي في وقت لاحق.

بين تونس والمغرب
شارك المنتخبان التونسي والمغربي في تصفيات كأس العالم للمرة الأولى في تصفيات النسخة التشيلية عام 1962، ولعبا وجهًا لوجه في الدور الأول في مواجهتيْ ذهاب وإياب لتحديد هوية المنتخب المتأهل إلى المرحلة النهائية من تصفيات القارة الإفريقية. وفاز المنتخب المغربي ذهابًا في الدار البيضاء بهدفين لهدف، قبل أن يردّ المنتخب التونسي بفوزٍ مشابه على أرضه إيابًا، ليتجه الفريقان نحو مباراة فاصلة أقيمت في إيطاليا. وانتهت المباراة بتعادل المنتخبيْن بهدف لمثله، قبل أن يتم إعلان تأهل المنتخب المغربي بعد فوزه بالقرعة. وتكرر السيناريو نفسه في التصفيات المؤهلة إلى المونديال المكسيكي عام 1970، حيث تواجه الجاران في الدور الثاني من التصفيات الإفريقية هذه المرة، وقد سيطر التعادل السلبي على لقائيْ الذهاب والإياب ليتم الاحتكام إلى مباراة فاصلة أقيمت في فرنسا وانتهت بالتعادل 2ـ2، قبل أن تبتسم القرعة مرة أخرى للمنتخب المغربي الذي تأهل بعد ذلك إلى نهائيات كأس العالم للمرة الأولى في تاريخه. وبعد اعتماد قانون الركلات الترجيحية، تواجه نسور قرطاج وأسود الأطلس في الدور الأول من التصفيات المؤهلة إلى مونديال الأرجنتين عام 1978، حيث عاد السيناريو نفسه ليتكرر مع سيطرة التعادل 1ـ1 على مواجهتيْ الذهاب والإياب، لكن المنتخب التونسي كان الطرف الفائز هذه المرة بعد فوزه بركلات الترجيح 4ـ2 في المرة الأولى التي يتم فيها اللجوء إلى هذه الركلات بمباريات تصفيات كأس العالم. وتابع المنتخب التونسي مشواره في التصفيات بنجاح؛ لينجح في حجز البطاقة الإفريقية الوحيدة ويتأهل إلى نهائيات المونديال للمرة الأولى في تاريخه.

ركلة بانينكا
لفت أنطونين بانينكا النجم التشيكي السابق أنظار عشاق كرة القدم عندما ابتكر في 20 يونيو 1976 أسلوباً جديداً في ترجمة ركلات الجزاء، وذلك عبر تسديد الكرة دون استخدام القوة في وسط المرمى بعد رفعها عن الأرض، وهو الأسلوب الذي بات يحمل اسمه. وقادت هذه التسديدة بقيادة منتخب تشيكوسلوفاكيا للفوز بلقب كأس الأمم الأوروبية، حيث نفذ بانينكا حينها ركلته الترجيحية الحاسمة في مرمى سيب ماير الحارس الألماني الأسطوري في المباراة النهائية. ولجأ عدد من النجوم إلى استخدام أسلوب بانينكا في ترجمة ركلات الجزاء بعد ذلك، وعلى رأسهم الفرنسي زين الدين زيدان الذي سجل في مرمى جيانلويجي بوفون الحارس الإيطالي في المباراة النهائية لكأس العالم عام 2006، والتشيلي أليكسيس سانشيز في نهائي كوبا أمريكا قبل عاميْن، إضافة إلى أسماء لامعة أخرى مثل فرانشيسكو توتي وأندريا بيرلو وتييري هنري وزلاتان إبراهيموفيتش وسيرجيو راموس وعمر عبدالرحمن النجم الإماراتي.

ركلات من الذاكرة
سجل الإسكتلندي جيمز ماكلاجيدج أول ركلة جزاء في تاريخ كرة القدم في مباراة بين رويال ألبرت وإيردريونيانز بتاريخ 6 يونيو 1891، أي بعد مرور 4 أيام على اعتماد قانون ركلة الجزاء. وفي إنجلترا، كان الراحل جورج بست النجم الإيرلندي الشمالي أول من نفذ ركلة ترجيحية بنجاح خلال مباراة بين مانشستر يونايتد وهال سيتي عام 1970، وهي المباراة التي شهدت إهدار أول ركلة ترجيحية عن طريق دينيس لو النجم الأسطوري الإسكتلندي. وشهدت المواجهة التي دارت بين سسكا صوفيا البلغاري وباناثينايكوس اليوناني في دوري الأبطال موسم 1972ـ1973 حادثة أثارت الكثير من الجدل، حيث قرر الحكم إعلان فوز سسكا صوفيا بعد تنفيذ الفريقيْن لـ 4 ركلات ترجيحية فقط. وأعيدت المباراة في وقت لاحق بعدما قبل الاتحاد الأوروبي احتجاج الفريق اليوناني، لكن خصمه البلغاري خرج فائزاً في المباراة المعادة دون الحاجة إلى ركلات الجزاء. وحضرت ركلات الموت في نهائيات كأس العالم للمرة الأولى على الأراضي الإسبانية عام 1982، وذلك عندما فاز منتخب ألمانيا الغربية على فرنسا في واحدة من أجمل المباريات المونديالية، علماً أن المانشافت حقق الفوز في جميع مبارياته التي وصلت إلى ركلات الترجيح عبر تاريخ المونديال. وفي المباراة النهائية لكأس العالم عام 1994، أهدر روبرتو باجيو الركلة الإيطالية الأخيرة بعدما وجّه الكرة بعيداً فوق المرمى، ليذهب اللقب إلى المنتخب البرازيلي، وليصبح المنتخب الإيطالي أحد أكثر المنتخبات تعرضاً للخسارة بركلات الترجيح في مباريات دولية إلى جانب إنجلترا وهولندا.

المصدر : الرياضية